حين يتحوّل الرسم إلى أداة عدالة
منذ أن بدأت استخدام هذا التطبيق وأنا متردد في نشر هذا المقال، لكن يبدو أن الوقت قد حان.
هناك بعض المهن التي لا تعجبني فحسب، بل أشعر بانجذاب شديد إليها. من هذه المهن مهنة (الرسام الجنائي). أنا مغرم بالمهارات الإنسانية النادرة التي يمتلكها أصحاب هذه المهنة، ومغرم بالأثر الذي يمكن أن يتركوه في حياة الناس. ومن شدة اهتمامي بهذا المجال، قررت في يوم من الأيام أن أقرأ عنه كل ما استطعت الوصول إليه على الإنترنت، وهناك اكتشفت بالصدفة شخصية أدهشتني فعلًا: لويس جيبسون.
لويس جيبسون ليست مجرد رسامة جنائية عادية، بل دخلت موسوعة جينيس بعد أن ساهمت رسوماتها في أكثر من 1300 قضية ناجحة. تخيلوا هذا الرقم! رسومات أدت إلى القبض على مجرمين، والتعرف على ضحايا من خلال هياكلهم العظمية، وحتى المساعدة في العثور على أشخاص مفقودين.
ومن أكثر الأمور التي أذهلتني أنها كانت تدرس صور الأطفال المفقودين ثم ترسم شكلهم المتوقع بعد سنوات، وعندما يتم العثور عليهم لاحقًا يكون الشبه بين الواقع والرسم مذهلًا إلى درجة يصعب تصديقها.
هذا جعلني أتعمق أكثر في هذا المجال. فلطالما فكرت: لو تعرض شخص ما لاعتداء أو موقف مرعب، هل سيكون قادرًا فعلًا على تذكر ملامح المعتدي بدقة؟ أنا شخصيًا أشك في ذلك. فالصدمة تؤثر على الذاكرة بشكل كبير، وهنا تظهر إحدى أهم مهارات لويس جيبسون.
كانت تفهم كيف تعمل ذاكرة الإنسان تحت الضغط. فإذا وصف لها أحد الشهود أسنان المجرم بأنها ضخمة جدًا، لم تكن تأخذ الوصف حرفيًا، بل كانت تدرك أن الخوف ربما جعل الدماغ يضخم بعض التفاصيل. كانت تفهم الفرق بين ما رآه الشخص فعلًا وما جعلته الصدمة يشعر بأنه رآه.
وفي إحدى مقابلاتها تحدثت عن طريقة غريبة لكنها فعالة للحصول على أفضل النتائج من الضحايا والشهود. قالت إنها تحاول أولًا أن تجعلهم يضحكون أو يشعرون بالراحة قبل أن تبدأ بأخذ الوصف. وقد يجعلها ذلك تبدو أحيانًا وكأنها غير متعاطفة، لكن هدفها كان إخراج الشخص من حالة التوتر والخوف حتى يتمكن من التذكر بشكل أفضل. تخيل مدى صعوبة أن تتعامل مع شخص عاش قبل دقائق تجربة قاسية، ثم تحاول أن تخفف عنه وتجعله يبتسم.
أما قصتها الشخصية فهي ملهمة بحد ذاتها. قبل أن تصبح رسامة جنائية كانت رسامة موهوبة وعارضة أزياء ناجحة، بل إن صورها في شبابها تظهر أنها كانت من الجميلات جدًا. لكن حياتها تغيرت عندما تعرضت لهجوم داخل منزلها. كانت خائفة إلى درجة أنها لم تبلغ الشرطة، بل غادرت المدينة بالكامل وبدأت حياة جديدة في مكان آخر.
مرت السنوات، وتزوجت وأنجبت أطفالًا، لكنها لم تنسَ ذلك الحادث. وبدأت تفكر في عدد المجرمين الذين ما زالوا أحرارًا فقط لأنه لا توجد صورة لهم أو لأن أحدًا لا يعرف كيف يبدو شكلهم.
في النهاية قررت أن ترسم الرجل الذي هاجمها اعتمادًا على ذاكرتها، ثم ذهبت إلى الشرطة. لكنهم لم يأخذوا الأمر بجدية. عندها تحدتهم بطريقة جريئة؛ طلبت منهم أن يصفوا لها أحد السجناء دون أن تراه، وقالت لهم: إذا خرجت رسمتي مطابقة له، فعليكم أن تأخذوا كلامي على محمل الجد.
والمذهل أن الرسم كان مطابقًا تقريبًا للشخص الحقيقي.
من تلك اللحظة بدأت رحلة مهنية استمرت سنوات طويلة، ساعدت خلالها في حل عدد هائل من القضايا، وأثبتت أن الرسم ليس مجرد فن، بل قد يكون أحيانًا أداة لتحقيق العدالة وإنقاذ الأرواح.
أكثر ما يعجبني في قصتها أنها لم تعتمد على موهبتها في الرسم فقط، بل جمعت بين الفن وعلم النفس وفهم الذاكرة البشرية والتعامل مع الناس في أصعب لحظاتهم. وهذا ما جعلها استثنائية فعلًا.







الشخص المناسب بالوظيفه المناسبه
سبب اضافي يخليني اعشق مهارة الرسم وزاد حبي لها الآن بشكل مضاعف